I ـ لماذا التدوير العروضي في النصوص؟
فحينما تقع عيناك على أول قصيدة بالديوان ـ منطق الورد3 ـ تخدعك فتحسبها نثرا. وما هو بذلك إن هو إلا شعر موزون. وهكذا دواليك في نصوص أخرى، إن لم نقل أغلبها، بل في دواوين أخرى. فلماذا الكتابة على هذا الشكل ممتدة في مجملها متموجة أحيانا؟
الجواب لن يأتي برانيا، بل جوانيا إنه الفضاء الداخلي ( الذات) حيث المعاناة والاحتراق يزهران حمما، فتثور براكين الكتابة على البياض محاولة منها التهام الفراغ الفظيع، إنه صراع السواد والذات مع الواقع حسب تعبيرالدكتور العلوي الهاشمي4. فما يلبث القارئ ـ خلال قراءته ـ حتى يعود للتأكد من الوزن ثانية وثالثة يتوهم كما أسلفت أنه خرج إلى النص النثري. من هنا تكمن براعة الشاعر وتمكنه من مادته العروضية، هي الوظيفة الفنية التي تدفع به نحو هذه الكتابة، لأنه يخاطب العين قبل الأذن.
وتأتي الوظيفة النفسية والفلسفية أيضا واللتان تعكسان مدى ارتباط الشاعربمحيطه. ولنسق الشاهد الآتي من القصيدة السالف ذكرها قوله:
أيتها الوردة .. يا أيتها المقصورة في هودجها الوهاج ..
أيا لؤلؤة كنَّت في صدف من شعر أسود هل يخلو بلد من
سلطان؟. ها قلبي يحمل عرشا لم يتربع سلطان بعد عليه.
فكوني أنت السلطان، لتنعم أشجار ضلوعي بنظام يأسر
ألباب الطير. قطعت إليك مهامه لم تعبرها قلبي العيس،
فما امتد على طرقات القلب سحاب المزن، ولا انتشرت أوراق
البرق بساحة هذي الذات الظمأى كوني السلطان، وكوني
صاحبتي في هذا السفر الممتد من الآه إلى الآه. هو القلب
العاشق يستنشق ريحا من تلقاء مها نجد، يأمرني أن أركب
متن الوجناء لنطلب نجدا. هل أحد غيرك يقدر أن ينجد هذا
القلب؟ فكوني النار الوهاجة، وانتشري في كل خلايا
الأشجار الممتدة من جسدي حتى بلدي. انتشري أيتها النار،
احترقي أيتها الأشجار عسى من حر رمادك تولد قبل الفجر
الخياله.
وهذه الطريقة في كتابته الشعرية، قد أعابها على شاعرنا بعض الدارسين وخاصة فيما تقدم من نصوصه، وبالضبط قصيدة "صاحب الغار"5 التي يقول في مطلعها:
أنا في الغار اثنان وثالثنا لم ينزل بعد، وصوت الله
يشق صخور الغار، ليوحي للصاحب أن الغصن الأخضر للسدرة
يجمع كل اثنين، وأن الله بجانب كل اثنين إذا كان من أصحاب
الحب الأبيض …
ومن هؤلاء، النقاد، نذكر على سبيل التمثيل، الدكتور محمد فتوح أحمد في بحث عنوانه: " القصيدة العربية المعاصرة إلى أين؟"6. التي هاجم من خلالها التدوير العروضي وشكل الكتابة النثرية التي ظهرت به القصيدة، بحجة أن هذه الظاهرة تجهد القارئ حين يلهث وراء الشاعر حتى ينتهي إلى قرار بيت يمكن التوقف عنده. يضاف إلى هذا أنه يترتب على التدوير شحوب الإيقاع وانطفاء موسيقى القوافي النثرية. ونفسح المجال أمام الشاعر ليرد على الدارس:(7)
" أما ما لاحظه في النص من نثرية بسبب التدوير فأقول: إن لغة الشعر تختلف عن لغة النثر، وهذا معروف في الدراسات النقدية، لكن ثمة حالات تقتضي أن يستعير لغة ( وشكل) كتابة النثر لتطعيم تجربته، ونتفق مع أبي هلال العسكري أن المنظوم الجيد ما خرج مخرج المنثور في سلاسته وسهولته واستوائه". أما فيما يخص أن التدوير يجهد القارئ فقد رأى الشاعر أن هناك محطات اختيارية يتوقف عندها متى كان الشعر بضرورة إليها وليس من الضروري أن تطابق الوقفة نهاية التفعيلة. وقد يخرج الشاعر من الشكل الممتد في نصوصه إلى المتموج أو المنعرج. فتتنابذ الكلمات وتتناثر وتختلف. ويظهر فيها مد وجزر في سطورها وهذا الاختلاف تعبير عن اختلاف الشاعر مع محيطه.
وبعبارة أخرى صراع ذات الشاعر مع مجتمعه. فيحاول الرباوي أن ينقل هذا الصراع من الذات الفردية إلى الذات الجماعية ( الذوات). ولعل هذا الشكل يتمظهر فيه الفراغ / البياض بشكل ملفت. وهذا لم نألفه في القصيدة العربية الأم / العمودية المقفاة، إذ أنا نلاحظ فيها فراغا يفصل الصدر عن العجز ليس إلا. وهذا يدل على انسجام الشاعر العربي القديم مع مجتمعه ـ على حد تعبير الناقد العلوي الهاشمي8 ـ اللهم إلا إذا استثنينا حجم ذاك الصراع الفراغ / البياض ولا بأس من التمثيل على الشكل المتموج والذي يبرز لنا من خلال صراع الذات مع الواقع ـ قوله من قصيدة « مغربنا وطننا9 ».
بلدي … يا بلدي نخر السوس عظامك
وامتطى الحزن خيامك
بلدي … يا بلدي، روحي فداك
من يدنس أقمارك اليوم ينل كل رضاك
من يقدم دمه يلق جفاك
ها دمي المفتول قدامك، فاصنع
بدمي فجرك، وامنح جسدي قبرا تغذيه رباك
II ـ الإضاءات / النصوص الغائبة أي طائل من وراء توظيفها؟
إنها المراجع الثقافية التي تتغذى منها قصائد الشاعر، وبالتالي فهي إضاءات ـ حقا ـ لظلام الغموض الذي يكتنف بعض النصوص وخاصة تلك الذاتية منها ـ وما يتبدى لنا من خلال، قصائد ديوان ـ أول الغيث نصوص وظفها الشاعر بوعي منه لتحيل القارئ مباشرة على مرجعها وأخرى تسللت دون وعي منه إلى عمله فكونت طبقات نصية عجيبة. ولعل الشاعر لا يجتر النص الغائب بشكل عادي لا جديد فيه. بل يعيده بوعي مغاير وبطريقة فنية يخدم دلالات قصيدته ذاك ما يسميه النقاد بالامتصاص. فهذا عنوان الغلاف ( وإن كان هذا الغلاف ذاته برسومه وألوانه عنوانا ثانيا لنصوص الديوان) أول الغيث يحيلنا على نص غائب أورده صاحب العمدة في تقديمه:
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه وأول الغيث قطر ثم ينسكب10
هذه واحدة. أما الثانية، فحين نقلب الصفحة الأولى نجد الإهداء التالي: " إلى القطرة المضيئة ولدي محمد زكرياء " فالملاحظ أن عجز البيت الشعري مصدر ب: أول الغيث ( عنوان الديوان) ثم يأتي قطر بعده وهو يحيلنا مباشرة على القطرة / محمد زكرياء. أما إن عدنا إلى صدر البيت فنجد بياض الفجر، أي انبلاج ضوئه: والإهداء يتضمن كلمة القطرة المضيئة. ومن هنا نستنتج أن الشاعر يعقد قرانا رائعا أو تعالقا بين النصوص على حد تعبير النقاد. والعنوان والإهداء ـ حسب استنتاجي ـ لهما ارتباط وثيق بالنص الأخير" مدد من مشكاة الغيث"11
إذ أن الشاعر وظف فيه مجموعة من الكلمات التي تدل على ذلك: (المشاكاة ـ الضوء ـ النور ـ الأنوار ـ وهج ـ المصباح ـ وقد ـ الفرحة جداول ـ ترشني بأنوار ـ الوبل ـ البشرى ـ أنداء الغيث ـ رياحا).. ثم ركز على العطاء والمنع في تضرعه إذا عن أي غيث يتحدث الشاعر، وأي نور وضوء، وبعابرة أخرى، أية بشرى بعد الرياح ( اللواقح)؟
الجواب ـ في اعتقادي ـ مكنون في الإهداء: إنه محمد زكرياء ( عصفور الفجر / الأمل المشرق / النعمة البيضاء)12 الذي ازدان به بيت الشاعر بعد صيف طويل حط بكلكله على صدره ولنفسح له المجال للبوح:
ما عدت أكلم في الحي سواي
فهل استسلمت لوقد الفرحة يا مولاي
إن كانت حقا هي ما يسكن عبدك؟
وهل استسلمت لجوف الخوف الفاجر
إن كان الخوف حبيبي
هو ما يتسكع في هذا القلب الخفاق؟
لماذا حين تسللت البشرى
نحو خرائب قلبي
وأنا عود يتقوس كالآه
لماذا13
ومما يبرهن على أن أول الغيث "النص الغائب" قد أضاء فعلا غموض القصيدة وأن الرباوي يقصد به محمد زكرياء، إجابته عن سؤال ـ في مداخلة بدار الشباب أنوال بتازة سنة 1993 ـ يتعلق بحالته العائلية، أنه أب لطفلة عمرها أربع عشرة سنة، وطفل ( محمد زكرياء أربع سنوات). والقصيدة كما نرى كتبت في شهر يوليوز 1991. وهي في نسيجها العام شبيهة بمقطع من قصيدة "سفر أيوب" لبدر شاكر السياب14 في تيماتها:
لك الحمد مهما استطال البلاء
ومهما استبد الألم
لك الحمد، إن الرزايا عطاء
وإن المصيبات بعض الكرم
ألم تعطيني أنت هذا الظلام
وأعطيتني أنت هذا السحر؟
فهل تشكو الأرض قطر المطر
وتغضب إن لم يجدها الغمام؟
شهور طوال وهذي الجراح
تمزق جنبي مثل المدى
ولا يهدأ الداء عند الصباح
ولا يمسح الليل أوجاعه بالردى
ولكن أيوب إن صاح صاح:
لك الحمد، إن الرزايا ندى،
وإن الجراح هدايا الحبيب
أضم إلى الصدر باقاتها
هداياك في خافقي لا تغيب
هداياك مقبولة، هاتها!
أشد جراحي وأهتف بالعائدين،
" ألا فانظروا واحسدوني، فهذي هدايا حبيبي".
ولنمعن النظر في كلام الرباوي15 ونقارنه بالمقاطع الأولى من نص السياب:
ـ أنت كريم إذ تعطي
وكريم إذ تمنع
(…)
هو ابتلاء حين تعطي
وابتلاء حين تمنع
آه حبيبي ! ما أشق الابتلاء !
لكنني
أطمع يا مولاي أن