|
قراءة عاشقة لنصوص أنطولوجيا الحرية
-I تمهيد:
أنطولوجيا الحرية هي الجزء الثالث والأخير من الحاءات الثلاث: أنطولوجيا القصة المغربية الجديدة المشروع الإبداعي والتنظيري الخاص بالتعريف بالقصة المغربية القصيرة والهادف لتأسيس المدرسة الحائية، مدرسة مغربية قادمة للقصة القصيرة، من خلال المشترك المضاميني والجمالي المُجَمَّعِ بين النصوص الخمسين للكاتبات والكتاب الخمسين المشاركين في المشروع الأنطولوجي والموزعين على ثلاثة أجزاء على مدى ثلاث سنوات:أنطولوجيا الحلم المغربي وهي القافلة التي انطلقت سنة 2006 وأنطولوجيا الحب التي انطلقت سنة 2007 وأنطولوجيا الحرية التي انطلقت سنة 2008.
القراءة العاشقة وجه ثان من وَجْهَيْ قراءة النص الأدبي: وجه الانتماء للنص وَوَجْهُ الانفصال عنه. إنها، القراءة العاشقة، أحد مجدافي قارب القراءة الذي يشتغل بمجداف القراءة العاشقة المنتمية للنص ومجذاف القراءة النقدية الحريصة على لزوم المسافة مع النص. وتأسيسا على التسليم بهذا التعايش بين القراءتين، فإن إعداد قراءة عاشقة بقلم مبدع لا يعني بأي حال من الأحوال تحولا نقديا جاري التأسيس له أُفُقُهُ تعويض القراءة النقدية التي ينجزها النقاد لنصوص وأعمال مبدعين آخرين بالقراءة العاشقة التي ينجزها المبدعون، شعراء ومسرحيين وكُتاب، عن نصوص وأعمال بعضهم البعض.
التكامل هو مبرر وجود القراءة العاشقة والقراءة النقدية أما خصوصية الاثنين فتكمن في انتصار الأول لالفُرَادَة في النص بينما بينما ينتصر الثاني لانصياعية النص للمنهج النقدي المشَغَّل. لذلك، كانت القراءة العاشقة تعتمد أدوات غير جاهزة ومنهجية غير نمطية تتقصد تَفْرِيدِ النص والبحث في مبررات تفرده وتميزه بينما واظبت القراءة النقدية على تبني أدوات نقدية جاهزة ومنهجية نمطية تتقصد تَصْنِيفِ العمل قيد التحليل والدراسة.
في هذا الجزء الثالث والأخير من الحاءات الثلاث: أنطولوجيا القصة المغربية الجديدة، أنطولوجيا الحرية، يتواصل التقليد الذي بدأ مع أول جزء من الأجزاء الثلاثة من الأنطولوجيا، القراءة العاشقة المنتمية للنص المقروء على خلاف القراءة النقدية التي تلزم مسافة واضحة اتجاه النص المقروء. فإذا كانت القراءة النقدية تنجزها نخبة القراء وهم النقاد، فإن القراءة العاشقة ينجزها كاتب ثان يَحُلُّ في جلْد الكاتب الأصلي للنص لاختبار محاولة المصالحة بين الكاتب والقارئ بين الإلقاء والتلقي بين الكتابة والقراءة…
II – الحرية في أنطولوجيا الأحرار المغاربة:
تتدرج نصوص أنطولوجيا الحرية، الجزء الثالث والأخير من الحاءات الثلاث: أنطولوجيا القصة المغربية الجديدة، تنازليا، من نصوص التبشير بالحرية كأعلى درجات الأهداف من الحياة كما في نص ليتسع قرص الشمس! لزهرة زيراوي ونص وطن العصافير المحبطة لمحمد سعيد الريحاني إلى نصوص الحرية كوهم كما في نص مطر الحديقة لعز الدين الماعزي ونص قررت أن تبقى حرا لخالد أقلعي ونص ذكرى لصخر المهيف ونص الكيميائي لعبد اللطيف الزكري ونص الفََم لمحمد أنقار إلى الهجوم على شعارات الحرية الزائفة كما في نص عزف على وتر الحاء لنور الدين عيساوي ونص أخطبوط العصر لمالكة عسال ونص الطائر والقفص لمليكة صراري إلى الشعور بالإحباط من المكان كعائق أمام تحقيق الحرية وتحققها ونشدان الخلاص بالهجرة والرحيل كما في نص حلم النوارس لمحمد بروحو ونص المرأة التي قررت أن تهاجر لمصطفى يعلى ونص اعويشة لمحمد الشايب ونص روزانا لعبد السلام الجباري ونص اليتيم لمحمد البوزيدي إلى وقفة التأمل التي تقتضيها كل رحلة حقيقية راكمت إحباطا بعد آخر والتساؤل حول حقيقة العائق أمام الإقلاع الحقيقي نحو فضاءات الحرية الرحبة كما في نص إمبراطورية العليق لإدريس اليزامي.
-IIIقراءة لنصوص أنطولوجيا الحرية:
1. زهرة زيراوي،ليتسع قرص الشمس!:
يبدأ نص ليتسع قرص الشمس لزهرة زيراوي بإهداء إلى الطفل الشهيد محمد الدرة ولكنه لا يتوقف عند حدود الإهداء بل يتعداه إلى شرايين النص. فمحمد الدرة، باسمه الفردي أولا، يتردد صداه هنا وهناك:
على رسلك يا محمد إخوتك يصعدون . هاهم يصعدون.
ثم باسمه العائلي:
رأى المدينة تحت الشمس درة تتلألأ
نص ليتسع قرص الشمس هو نص لتخليد شهداء الحرية وللسمو بالشهداء عن هدا العالم. وقد تطلب دلك تشغيل أدوات تتجاوز الحياة القصيرة المدى فتم تشغيل أداتين روحيتين هامتين: أولها استعارة أرقام مقدسة، الرقم خمسة تحديدا؛ وثانيها توسيع مجال الرؤية والتواصل ليشمل اللامحسوس واللامرئي واللامسموع…
وفي سبيل دلك، يتقدم النص من خلال دوران عجلات خمس متواليات رتبت ورقمَتْ بعناية:
1- الرؤيا التي حلم فيها الأب باستشهاد ابنه.
2- تحقق الرؤيا وسقوط الشهيد.
3- الاحتفاء بالشهداء.
4- تحول الشهيد إلى مثل أعلى، إلى شمس تنير الكون…
5- تحول الرؤيا إلى قناعة ومبدأ يتغنى به الأطفال ويحفظونه مند نعومة أظفارهم.
نص ليتسع قرص الشمس نص يحتفي بالحرية وبشهداء الحرية الذين لا يموتون:
إنه حي ، تراه و يراك ، إنه لم يمت . الأبطال لا يموتون، الأبطال لا يموتون.
2. محمد سعيد الريحاني،وطن العصافير المحبطة:
نص وطن العصافير المحبطة لمحمد سعيد الريحاني شكل قصصي يحاول مسايرة مركزية التوق للحرية التي تبقى المضمون الثابت للنص من خلال ثلاث قفزات سردية على درب النجاح في إرادة الطيران والتحليق في الأعالي: قفزة الاستسلام للأمر الواقع التي يبقى الأب نموذجها، وقفزة التهور التي يبقى الطفل الأخ بطلها، وقفزة إرادة الطيران والحرية التي أجلت لختام النص ككلمة أخيرة بخطاب مباشر Direct Speech يتوحد فيه، ليس فقط خيوط السرد أو شكل النص بمضمونه، بل أيضا المتكلم داخل النص بالقارئ خارجه:
سأطير، يا أبي، وسأنجح في ذلك.
3. عز الدين الماعزي،مطر الحديقة:
القاص عز الدين الماعزي وصل به الوعي بضرورة المصالحة بين الشكل والمضمون إلى حد اختيار الكتابة القصصية القصيرة جدا (شذرات قصصية) كأشكال سردية واعتماد شخوص صغيرة جدا (أطفال) لنصوصه السردية كأبطال وتناول مضامين صغيرة جدا كقضايا إنسانية…. فالصغر، عند عز الدين الماعزي، وسيلة وغاية، متعة وفائدة:
قلم الحبر الجاف الأزرق وقلم الرصاص فوق المنضدة والمسطرة والكرز… الدفتر دو الغلاف الأصفر المخطط بالأوراق البيضاء والطفلة النبيلة الصغيرة تشحذ فكرها وأعصابها في الاستماع لصوت المعلمة فوق الكرسي الجلدي… حصة التربية الفنية السنة الثالثة أساسي سنتعلم كيف نرسم السحب، تساقط الأمطار، تكون البرك ومستنقعات الماء مع الترميد بقلم الرصاص والملونات…
4. خالد أقلعي،قررت أن تبقى حرا:
نص قررت أن تكون حرا لخالد أقلعي يتمركز حول مفهوم الحرية. وفي قالب ساخر يعكس السخرية من المفاهيم المتطرفة للحرية، يقترح النص، كخطوات أولى نحو الحرية، التحرر من المهنة والتحرر من العائلة والتحرر من العنوان والتحرر من الرفقة الكسولة والتحرر من الدين… لكن هدا التطرف لن يؤدي، في نهاية المطاف ونهاية النص، إلا إلى العزلة التامة والفراغ القاتل ليتنفس النص حريته الحقيقية في اعتداله الحقيقي ويعلن عودته إلى نفسه وبساطته وبراءته وحريته:
العبودية الحقيقة هي ألاّ تكون ذاتك، في اللحظة التي يستحيل عليك أن تكون غيرك، أن تكفر باختيار كرّست له حياتك فتنسلخ عن جلدك وتكفر بأهلك وعشّك و يقينك. لقد كنت دائما حرّا،حتّى ولو لم يكن لك يد في اختيار حياتك، يكفي أنّك اخترت أن تواصل الحياة «أولم أكن حرّا عندما اخترت مواصلة حياتي على هذا النّحو ؟» ويركبك الحنين، مرّة أخرى، إلى مقرّ عملك بالقبو الحميم إيّاه،تذكر بوضوح كيف كنت تتمايل مع أمواج الإذاعة ،منهمكا في نسخ القضايا، ،مسحورا بصوت عبد الصّادق شقارة الشجيّ الذي يعبث زجله الرّقراق بجوانحك «آحّاح… وآحيّانا ،على قلبي و ما فيه…إلى نعيد لك شنّو فيه ، الحجر الصمّ نبكّيه..» و يسري إيقاع الأغنية في وجدانك فتحثّ الخطى إلى عشّك المضيء الرّحب ،على ضيقه، ببسمة دبّتك الحبيبة وأطفالك المرحين الأشقياء، وعالم حارتك المشرّع على كلّ مظاهر البساطة والبهجة والعفوية و القبول والانطلاق «سوف أبحث عن دكّان صغير ،هناك، أبيع فيه وأشتري» لا عليك في أنّك جرّبت أن تكون عبدا للفراغ، ما دمت قرّرت أن تعود إلى نفسك، إلى مواصلة حياتك التي لا تتقن غيرها.إلى نسف عبودية الهباء في أعماقك.ما دمت قرّرت،بمحض إرادتك،أن تواصل الحياة،مادمت قرّرت بمحض إرادتك أن تبقى حرّا !
5. صخر المهيف،ذكرى:
ذهب الاجتهاد في مصالحة الشكل والمضمونبصخر المهيف في نصه ذكرى إلى التركيز على الإيقاع وعلى الجو العام للنص وعلى التلوينات الرمزية للأسماء سعيا للوحدة الفنية العليا، وحدة الشكل والمضمون.
فعلى مستوى الإيقاع، كان الحرص كبيرا على نقل نبضات القلب الخائف من العودة للسجن بدلالتيه، السجن السياسي والسجن العاطفي، من خلال الإيقاع عبر التناقض، عبر عرض الشيء متبوعا بنقيضه، أو البدء بالشيء للانتقال إلى عكسه: من الحاضر إلى الماضي، من الحوار إلى الفلاش باك…
وعلى مستوى الجو العام للنص، فقد كان الشخصية الرئيسية في النص. فقد كان الجو العام هو المؤثر في شخوص النص كما كان الموجه للحكاية كذلك…
أما جديد النص فكان حسن استثمار دلالة التسمية. لقد كان اسم الأنثى الزائرة هو الاسم الوحيد الوارد في النص ولكنه كان اسما عضويا يلتحف النص ويتحرك به. فقد كان أنوار اسما للحبيبة وساعة كونية تضبط الليل والنهار وعلامة من علامات التحول النصي. ففي البداية، كان المساء مشمسا ومنيرا:
تأمل شعاع الشمس القادم من الأفق الغربي وهو يتسلل من زجاج النافذة، سرى دفء وحرك أوصاله الجامدة … شخصت أمامه، همست برقة:
- ألا تسمح لي بالدخول؟
ثم كان تقديم الاسم، أنوار:
طلعت أنوار في مساء مشمس، خلعت معطفها الأسود ثم استلقت على أريكة جلدية في لون المعطف الأنيق، حسبت نفسها تتأمل أفقا مسدودا…
لكن الآن لم يعد من اسمها، أنوار، غير الاسم:
الأنوار في آخر المطاف أرسلت خيوطا من الأمل قد تعكس إرادة واهية على إتمام لعبة مكشوفة منذ البداية، أما هي فأطبقت برأسها ترنو إلى الأرض، سال دمع ساخن على خدها المتورد…
وعند نهاية النص، لم تعد لا هي أنوار ولا بقيت في الدنيا أنوار:
دلفت نحو الباب الموصد… كان يمشي خلفها متعجلا…وضعت أول رجل في الخارج ثم توقفت برهة كأنها تستعد لأن تتلقى منه جوابا شافيا عن سؤال لم تطرحه عليه أصلا، عيناها استدارتا وهما تفتشان عن مفقود عزيز أو كبرياء مجروح في ظل سكينة زائفة، تناغم وقع أقدامها فوق أدراج العمارة، أدار المفتاح، ارتعشت يداه، ثم انطفأت الأنوار … كل الأنوار.
6. عبد اللطيف الزكري،الكيميائي:
نص الكيميائي لعبد اللطيف الزكري هو بحث عن معنى للحياة، عن الحرية التي تبقى المعنى الأسمى للحياة. إنه بحث بدأ رحلة الألف ميل نحو الحرية عن طريق الكتابة والتخييل:
الكتابة هي مبرر وجودي. إني أحيا مع الفرح بحريتي. حريتي الناتجة عن كتابتي. وكتابتي كيمياء الخيال.
لينتقل بعد دلك لطلب تلمسها على ارض الواقع محسوسة وملموسة:
أنا تائه في دروب متشابكة أبحث عن حريتي.
حريتي.
حريتي بحثي عني. أنا أبحث عني !
ينبغي أن أسافر في روحي ! بين أشجار مظلمة في متاهات الحياة.
ينبغي أن أسافر في اليقظة والنوم، في الماء والتراب، نحو ذاتي النائية.
ينبغي أن أسافر، أن أتوه تحت أقواس الذكريات والتجارب الجديدة في سماوات مقوسة، في شجن دفين، في ظلي القريب من وادي الطيور، ومن منطق الطيور!
ذاهب أتفيأ المعنى بين الحياة ومخالب الموت، أصطاد الوحوش المفترسة ! أصل ذاتي بالبحار البعيدة، ألبس المعنى في ينابيعي الثرة، منسابا كالضوء أشتعل بشرارة الدهشة، كأني كيميائي أكتشف أسرارا غميسة…
ولأن الحرية لا زالت هدفا مرسوما في البال ولا زالت تنتظر التحقق على الأرض، فقد بقي النص تطورا ذهنيا لأفكار مجردة تعبر عن نفسها في نص قصصي تجريبي.
7. محمد أنقار،الفم:
يتمركز نص الفم لمحمد أنقار حول رجل اختاره النَّبْذُ بسبب عاهته الجسدية وأبعده إلى الأماكن الهامشية بعيدا عن المركز والأضواء والأقارب إما في الظلام أو في الأماكن غير المأهولة… وهو مسرود بضمير المخاطب الذي قد يدل على كونه حوارا مع الذات في لحظة خلوة لكن عدم تسامح الصوت السارد وسلطوية خطابه تجعل منه، على الأرجح، صوت المجتمع القوي الذي يخترق كل الذوات ويتكلم بألسنها ويفكر بفكرها ويفرض بكل عنف سلطته وإرادته.
نص الفم نص حائي بامتياز يعرض الحلقات الثلاث لالحاءات الثلاث مرتبة منظمة قبل أن يهدمها أرضا ويدكها لعدم صلابة الحاء الأساس، حاء الحرية. فمن الفم كمخرج لحرف حاء الحرية:
تريد أن تشتري جريدة، وجدت موضعها في المكتبة فارغا: ربما تكون قد نفذت، تحاول أن تسأل، و لكنك تتذكر فمك فتلوي.
إلى الفم كمخرج لحرف حاء الحلم:
وأفقت و يدك تضغط على شفتك المقروحة. سخرت من حلمك، و تذكرت بمرارة أن خجلك المكين سيضمن لك ذلك الزهد الأبدي. فكن مطمئنا بأنك لن تقبّل أية شفة…
إلى الفم كمخرج لحرف حاء الحب:
تذكرت كيف كان أفلوطين يقدس الشفاه، لأن الروح الطاهرة تخرج من بينهما. هكذا كان يقول. ثم تذكرت أملك البرجوازي، بل حلمك الغريب في أن تسرق يوما أجمل فتاة تمر في الشارع الرئيس، تفر بها بعيدا، تضعها ب
|